جبل اللويبدة .. جبل التراث والثقافة !

عائشة الخواجا الرازم

كلما تجولنا في اللويبدة وأينما نظرنا وجدنا الضجيج والفوضى …وأينما حطت على التراب خطواتنا ازدحمت الأرصفة بشرطة المخالفات …! فلا مكان للأقدام ولا سعادة في الجلوس للطعام ولا ارتياح لسيارة تسرع بالمقام ! مع الأسف ..لكننا اعتدنا الاحتمال ورفع العتب على أصحاب عنقرة العقال …فندرب أنفسنا رغم الألم فنقطف في كل زقاق ضيق في جبل اللويبدة ياسمينة تفوح بعطر الزارع القديم ، فكلما مثلنا على أرواحنا الرضا شعرنا بأن الرنين الوردي ما زال موجودا بين الناس وبين الشوارع المأهولة بالهدوء.

وكلما ازدادت خطواتنا في شوارعها نحو الذاكرة البعيدة، أحسسنا بالضوء المتسلل في الخيوط البصرية والحالمة حيث الصبا وينبوع الشباب ورائحة الحلم بالتكوين الإبداعي في ظلالها ، فلهثنا وراءه لنمسك الخيوط ونلملم رذاذ العمر ، فلا نقبض إلا على الحلم الماثل في الذاكرة. فاللويبدة التي جمعت بأسلوب تخاطري مملوء بنسيم الأنسنة الفطرية جموع المثقفين والمبدعين تحتاج لأكبر من التذكر والتذكير ، وتحتاج لتمثيل الهواء العطري بتنمية الخطوات الواثقة نحو التوثيق الحضاري ، لا إلى إطلاق المفكرة بصفحاتها ورسم عبارات الترحم والتأسي على أيام الوعي والثقافة والعطاء المثمر الذي توهج من جبل اللويبدة بالذات !!

ولنا من حكمة الذاكرة حياة ما تزال عابقة بالتألق الفكري والفني والإبداعي والأدبي ، وما تزال تربط بأسلوبها الساحر كل خيوط الفن والتراث رغم الهجرة الجماعية إلى حيث الموطن الجديد ، فيستطيع أحدنا من النازلين على هوائها والحافظين لنكهة وصفاء وعذوبة هدوئها الذي لا يصلح للضجيج ، مهما تعالت الأصوات المبدعة بالشعر والخطب الرنانة الصادقة الغيورة على المرهون من أوضاع عربية وقومية ، ومهما ارتفعت وصرخت حناجر المفكرين والأدباء في الكلام ، ففي اللويبدة مهد الإعلام والتعبير ، ولا يضير الجمال الساكن إلا ازدياد الكحل في عيون المحبوبة اللابدة على أجمل فراش في جبال عمان ، حتى سميت بمسماها (اللويبدة ) فلبدت وهي تحمل في بطنها وقلبها مشقة الهيجان واحتمال الثقيل من وعثاء اختلاف الرأي والصدى الإبداعي في البنيان ، وتحملت اللويبدة بحكمتها المعهودة ما لذ وطاب لدى النازلين فيها وصمدت ، وكانت موئل الشاردين من العناء للبهاء الثقافي والروعة اللونية والتعبيرية والصرخة المسرحية.

نعم … نذكرها في السبعينيات أم الثقافة والمتاحف والمسارح والروابط ونذكرها في الثمانينيات ملجأ الأدب والجمال والنعومة في التجوال بين هسيس الياسمين المتطلع نحو عمان الحبيبة. مات الأحبة وتركونا نمشي في الأزقة بين ثنايا اللويبدة اللابدة على أحاديثهم واللابدة على أعمارهم الصاخبة المحاولة بكل مبتكر وجديد في حلم شبابهم الذي ذوى بيننا دون أن نمسك بخيوط أيديهم ونصرخ بهم تمهلوا يا بناة الوعي والحياة والبدع والجمال والذاكرة الحية بين الشعوب. من اجلهم …! هو مكان .. نتخيله شعريا ومجازيا هو الانعكاس لذات البعد العاطفي والعقلي والعلمي والسياحي الذي تسعى إليه أمانة عمان وهيئة تنشيط السياحة ووزارة الثقافة ، فاللويبدة هي المكان المتجانس المتصل دون انقطاع عن خطط تطوير وتجديد الأماكن الحساسة والراحلة في الذاكرة.

من أجل أحلى الأسماء في رابطة الكتاب الأردنيين وفي رابطة التشكيليين الأردنيين وفي مسرح أسامة المشيني ، ومن أجل أحلى الأسماء التي ما نامت وهي تحرث أرض اللويبدة مشيا على الأقدام وتغرس الفكر والأدب والثقافة والفنون والتحف المرسومة على رؤوس الوداع الأخير من أجلهم …ومن أجل تاريخ اللويبدة الوطني في بيوتها العامرة القديمة والمهجورة المغلقة فلننزع قائمة الحفر بالإبداع ونلون وننشيء الجداريات ونهذب الشجر المتهدل ونسقي الناشف في أزقتها ، ونجعل منها موقع السياحة الأول في العاصمة ونسمي كل زقاق نمشي فيه وشارع في اللويبدة باسم من عمروها ونهضوا بها على أكتافهم هائمين مجانين بخلق كل جديد ! ففي اللويبدة يكمن أرقى المكان في عمان.!!!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق