عندما ينتحر الفقراء!

ماجد توبة

رغم أنها كفعل احتجاجي قاسٍ يحاول البعض حشرها بخانة الحالة الفردية التي لا يمكن تعميمها، إلا أن إقدام شاب بمقتبل العمر في إربد على الانتحار احتجاجا على مصادرة بسطته التي يعتاش منها يجب أن تقرع كل أجراس الإنذار حكوميا ومجتمعيا من مستوى القهر والمعاناة التي يتركها الفقر والحاجة وقلة الحيلة لدى شرائح واسعة من الشباب العاطل عن العمل ومن الفقراء ومحدودي الدخل في وضع اقتصادي ومعيشي قاس ويواصل المزيد من الانحدار والتردي.

من الغريب والمستهجن أن يخرج أحد الوزراء في محاولته للتنصل كحكومة وبلدية من المسؤولية عن الوضع الصعب الذي أوصل الشاب المرحوم للانتحار للقول بأن انتحاره جاء بعد نحو عشرين يوما من مصادرة بسطته، في محاولة للإيحاء بأن لا علاقة لقهره بمصادرة مصدر رزقه وحرمانه من عمله المتواضع بعملية الانتحار!

كان حريا بهذا الوزير التقدم بشجاعة ومسؤولية للاعتراف بأن ثمة خللا عميقا وإجراءات تنظيمية وبلدية قاسية وعرجاء تضاف إلى التقصير الحكومي والفشل بخططها التنموية لمكافحة الفقر والبطالة تدفع عشرات آلاف الشباب إلى تخوم اليأس والمعاناة وتفتح الباب أمامهم لكل أنواع الشرور والانحرافات والنقمة على كل شيء، حيث يبدو الانتحار هنا على قسوته عرضا بسيطا من الصورة الكاملة للمأساة.

في موضوع البسطات والعربات المتنقلة التي تزايد انتشارها بصورة واسعة خلال الأعوام القليلة الماضية ثمة الكثير مما يقال، ولا يجب أن تمر حادثة الانتحار المذكورة مرور الكرام بل هي فرصة لنبش هذا الملف من كل جوانبه ومناقشته وكل ما يحيط به بكل مسؤولية.

تزايد انتشار ممتهني العمل على البسطات يتناسب طرديا مع تزايد معدلات البطالة والفقر بالمجتمع، وتراجع فرص التوظيف والتشغيل في ظل تزايد المعروض من الأيدي العاملة، وشكل الاقبال عليها من قبل الشباب الأردني في جانب ما خروجا عن ثقافة العيب في البحث عن لقمة العيش وكسر العديد من الحواجز النفسية والاجتماعية لدى الكثيرين للاعتماد على الذات ومواجهة ظروف الحياة الصعبة وتقصير الدولة في حل مشاكل التنمية.

في عمان كما في غيرها في المدن بات ملاحظا مثلا انتشار عشرات عربات بيع الترمس والذرة و”كرابيج حلب” والهريسة والحلويات والكعك حتى في الأحياء الداخلية بعيدا عن الأسواق التجارية، وهي عربات تشهد إقبالا من المستهلكين وتؤمن مصادر رزق محترمة لأصحابها، ومثلها الكثير من بسطات الخضار والملابس الخفيفة والأدوات المختلفة التي تنتشر في الأسواق وتنافس بأسعارها المتواضعة.

في الوضع الطبيعي يمكن القول أن هذا الأمر يحتاج لضبط ومراقبة مشددتين وتأطير صارم، لكن في الوقت الذي تعجز فيه الحكومة عن تأمين فرص العمل والتشغيل لجيوش العاطلين عن العمل وتزداد فيه حدة الفقر وتنهار فيه مستويات المعيشة فإن هذه الظاهرة تكون مقبولة بل ومطلوبا تشجيعها وتسهيلها أمام الشباب درءا لمفاسد البطالة والفاقة عليهم وعلى عائلاتهم وعلى المجتمع برمته.

أيضا، فإنه لم يعد خافيا حجم الفساد والتجاوزات التي ترافق عمليات التصدي لهذه البسطات من قبل الأجهزة البلدية والتنظيمية، وانتشار الرشاوى والعمولات والمحسوبيات بصورة واسعة في هذا المجال، ما يبدو معه السماح بوجود بسطة مخالفة في سوق عام توفر مصدر دخل لعاطل عن العمل أقل ضررا من السماح بانتشار الفساد والرشاوى.

محزن انتشار مشاهد ملاحقة أصحاب البسطات في الأسواق والشوارع ومصادرة بضائعهم المتواضعة وجرجرتهم أحيانا للتوقيف والإهانة كالسراق وقاطعي الطرق، فيما ذنبهم الوحيد أنهم يبحثون عن لقمة حلال لأسرهم في بلد عشّش فيه الفقر والفاقة.. وتقصير الحكومات عن تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة لمواطنيها!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق