ما بعد وجبة الصواريخ الإيرانية

ماجد توبة
جاء الرد الإيراني المباشر بقصف قاعدتين عسكريتين أميركيتين في العراق فجر أمس محدودا، بل وبدا محسوبا بدقة لتجنب الإنجرار إلى صدام عسكري مباشر وشامل بين البلدين. ورغم محدودية الأثر العسكري للصواريخ الإيرانية إلا أنها شكلّت بلا شك تغييرا في قواعد الاشتباك فرضها إقدام الولايات المتحدة على قتل الجنرال قاسم سليماني، وبما يفتح على إمكانية تطورات تصعيدية أخرى قد يصعب ضبطها والحد من تداعياتها.
الثابت اليوم أن قواعد اللعبة والصراع بين الولايات المتحدة وإيران لم تعد كما كانت عليه قبل استهداف سليماني، ولا يعني ذلك بالضرورة الاتجاه نحو الصدام المباشر باعتباره خيارا مكلفا للطرفين، لكن الأكثر ترجيحا هو تعمق الصراع غير المباشر ومحاولة حسمه في بعض الساحات، تحديدا الساحة العراقية عبر أدوات وأذرع إيران النافذة والمؤثرة وباتجاه دفع الولايات المتحدة للانسحاب من هذا البلد عبر رفع كلفة بقاء قواتها هناك.
لم يكن متوقعا من إيران اللجوء إلى فتح جبهة عسكرية واسعة وحاسمة مع القوات الأميركية بالمنطقة بالرغم من أن بعض التحليلات حاولت تصور مثل هذه السيناريوهات من باب الرغبة الإيرانية في الانتقام لكرامتها، لكنها تحليلات أغفلت أن خيار الصدام المباشر هو الأكثر كلفة ومخاطرة بالنسبة لإيران في ظل امتلاكها أوراق قوة عديدة أخرى يمكن اللجوء إليها وتفعيلها لتحقيق المكاسب الاستراتيجية لإيران دون التورط بخيارات تبدو الخسائر المحققة فيها أوشح وأوسع.
لذلك؛ يتوقع أن يكون الهجوم الصاروخي الإيراني المباشر على القواعد الأميركية في العراق أحد أوجه الرد الإيراني لكنه ليس كل الرد، بل وليس جوهره، فالصراع بات مفتوحا وكل طرف سيبحث في استخدام أوراق القوة التي يمتلكها ويتفوق بها مع ملاحظة حرص الطرفين على تجنب الاصطدام العسكري المباشر كل لأسبابه ومعطياته الخاصة.
العين الأميركية اليوم ستكون مفتوحة على وسعها على الجبهات التي يتواجد بها حلفاء إيران وأذرعها الضاربة في العراق أساسا وفي باقي الساحات اللبنانية والسورية واليمنية وغيرها، والأخطر بالنسبة لأميركا من وجبة صواريخ إيرانية مباشرة ومحدودة حكما هو حرب استنزاف مثابرة وطويلة، خاصة في العراق حيث تمتلك ايران امتدادا شعبيا وطائفيا وسياسيا وميليشياويا مؤثرا وقادرا على الفعل.
الهدف الإيراني الاستراتيجي الذي بات واضحا اليوم وبعد تغير قواعد اللعبة على أثر استهداف القائد الإيراني الكبير، هو الدفع باتجاه تسريع انسحاب القوات الأميركية من العراق، وتحقيقه يخدم المصلحة الإيرانية ليس فقط في العراق بل وفي سورية أيضا وفي كل المجال الحيوي لها.
المضي لتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي بدأ بالتبلور سريعا، حيث بادر مجلس النواب العراقي إلى اتخاذ قرار الطلب بسحب القوات الأميركية فيما تعالت التحشيدات ودعوات المقاومة للوجود الأميركي بين صفوف القوى السياسية والتنظيمات المسلحة والأوساط الشعبية في العراق، وانطلاق أي معركة شعبية أو مقاومة مسلحة غير رسمية للوجود الأميركي وهو أمر متوقع بقوة لن يترك خيارا للولايات المتحدة سوى الانسحاب من العراق مع استبعاد إقدام الإدارة الأميركية على التورط أكثر بالمستنقع العراقي.
على هامش هذا الهدف الاستراتيجي لإيران يمكن توقع تصعيد وتحرش من قبل أذرعها وامتداداتها في غير ساحة بالمصالح الأميركية وبمصالح حلفائها ورفع كلف عدم الاستقرار بالإقليم كله.
الثابت أن وجبة الصواريخ الإيرانية المحدودة على القواعد الأميركية لن تسدل الستار على الأزمة المتفاقمة، بل هي لا تشكل سوى جزء بسيط وهامشي من الصورة الأشمل لطبيعة الصراع المحتدم على الأرض بين الطرفين.. وهو صراع مفتوح ومتشعب لا يمكن إنهاءه بالضربة القاضية!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق